العيني
9
عمدة القاري
مرسلاً إليهم . وأجيب عن ذلك : بأن هذا العموم الذي في رسالته لم يكن في أصل البعثة ، وإنما وقع لأجل الحادث الذي حدث ، وهو : انحصار الخلق في الموجودين معه بهلاك سائر الناس ، وعموم رسالة نبينا ، في أصل البعثة . وزعم ابن الجوزي أنه : كان في الزمان الأول ، إذا بعث نبي إلى قوم بعث غيره إلى آخرين ، وكان يجتمع في الزمن الواحد جماعة من الرسل ، فأما نبينا عليه الصلاة والسلام ، فإنه انفرد بالبعثة ، فصار بذلك للكل من غير أن يزاحمه أحد . فإن قلت : يقول أهل الموقف لنوح ، كما صح في حديث الشفاعة : أنت أول رسول إلى أهل الأرض ، فدل على أنه كان مبعوثاً إلى كل من في الأرض . قلت : ليس المراد به عموم بعثته ، بل إثبات أولية إرساله ، ولئن سلمنا أنه يكون مراداً فهو مخصوص بتنصيصه ، سبحانه وتعالى ، في عدة آيات على أن إرسال نوح عليه الصلاة والسلام إلى قومه ، ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم . فإن قلت : لو لم يكن مبعوثاً إلى أهل الأرض كلهم لما أهلكت كلهم بالغرق إلاَّ أهل السفينة ، لقوله تعالى : * ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) * ( الإسراء : 51 ) . قلت : قد يجوز أن يكون غيره أرسل إليهم في ابتداء مدة نوح ، وعلم نوح ، بأنهم لم يؤمنوا ، فدعا على من لم يؤمن من قومه وغيرهم . قيل : هذا جواب حسن ، ولكن لم ينقل أنه نبىء في زمن غيره . قلت : يحتمل أنه قد بلغ جميع الناس دعاؤه قومه إلى التوحيد فتمادوا على الشرك فاستحقوا العذاب ، وإلى هذا ذهب يحيى بن عطية في تفسيره سورة هود ، قال : وغير ممكن أن نبوته لم تبلغ القريب والبعيد لطول مدته . وقال القشيري : توحيد ا تعالى يجوز أن يكون عاماً في حق بعض الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، وإن كان التزام فروع شرعه ليس عاماً ، لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك ، ولو لم يكن التوحيد لازماً لهم لم يقاتلهم . قلت : فيه نظر لا يخفى ، وأجاب بعضهم بأنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلاَّ قوم نوح ، فبعثته خاصة لكونها إلى قومه فقط لعدم وجود غيرهم ، لكن لو اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثاً إليهم . قلت : وفيه نظر أيضاً ، لأنه تكون بعثته عامة لقومه لكونهم هم الموجودين ، وعندي جواب آخر ، وهو جيد إن شاء ا تعالى ، وهو أن الطوفان لم يرسل إلاَّ على قومه الذين هو فيهم ، ولم يكن عاماً . قوله : ( نصرت بالرعب ) زاد أبو أمامة : ( يقذف في قلوب أعدائي ) ، كما ذكرناه ، وهو بضم الراء وسكون العين : الخوف . وقرأ ابن عامر والكسائي بضم العين والباقون بسكونها ، يقال : رعبت الرجل أرعبته رعباً أي : ملأته خوفاً ، ولا يقال : أرعبته ، كذا ذكره أبو المعالي . وحكي عن ابن طلحة : أرعبته ورعبته ، فهو مرعب . وفي ( المحكم ) فو رعيب ، ورعبته ترعيباً وترعاباً فرعب . وفي ( الجامع ) للقزاز : رعبته فأنا راعب ، ويقال : رعب فهو مرعوب ، والاسم : الرعب بالضم ، وفي ( الموعب ) لابن التياني : رجل رعب ومرتعب وقد رعب ورعب . قوله : ( مسيرة شهر ) . والنكتة في جعل الغاية شهراً لأنه لم يكن بين المدينة وبين أحد من أعدائه أكثر من شهر . قوله : ( وجعلت لي الأرض مسجداً ) أي : موضع سجود ، وهو وضع الجبهة على الأرض . ولم يكن اختص السجود منها بموضع دون موضع ، ويحتمل أن يكون المراد من المسجد هو المسجد المعروف الذي يصلي فيه القوم ، فإذا كان جوازها في جميعها كان المسجد المعهود كذلك ، وقال القاضي عياض : من كان قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، إنما أبيح لهم الصلاة في مواضع مخصوصة : كالبيع والكنائس ، وقيل : في موضع يتيقنون طهارته من الأرض ، وخصت هذه الأمة بجواز الصلاة في جميع الأرض إلاَّ في المواضع المستثناة بالشرع ، أو موضع تيقنت نجاسته . فإن قلت : كان عيسى ، عليه السلام ، يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة . قلت : ذكر مسجداً وطهوراً ، وهذا مختص بالنبي حيث كان يجوز له أن يصلي في أي موضع أدركته الصلاة فيه ، وكذلك التيمم منه ، ولم يكن لعيسى عليه السلام ، إلا الصلاة دون التيمم . قوله : ( فأيما رجل ) . لفظ أي ، مبتدأ متضمن لمعنى الشرط ، ولفظة : ما زيدت لزيادة التعميم . وقوله : ( فليصل ) خبر المبتدأ ، ودخول : الفاء ، فيه لكون المبتدأ متضمناً لمعنى الشرط . وقيل : معناه فليتيمم ليصل ليناسب الأمرين المسجد والطهور . قوله : ( من أمتي ) يتعلق بمحذوف تقديره : كائن من أمتي . وقوله : ( أدركته الصلاة ) جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الجر لأنها صفة رجل . قوله : ( الغنائم ) وفي رواية الكشميهني : ( المغانم ) ، والغنائم : جميع غنيمة ، وهي مال حصل من الكفار بإيجاف خيل وركاب ، والمغانم : جمع مغنم . وقال الجوهري : الغنيمة والمغنم بمعنى واحد . قال الخطابي : كان من تقدم على ضربين : منهم من لم يؤذن